كـن نفسـاً ناطقـــة
فبراير 18th, 2010 بواسطة عبدالله بن غنام
كن نفساً ناطقة
ولا تكن نفساً عجماء لاتفصح ولا تبين ، عبر ما أستطعت أن تعبرت وكما تحسن التعبير ..
عبر بقلم الرصاص بإنحناءات وخطوط وتظليل ..أو بقلم الفحم .
عبر بقلم الحبر عن فكر ومنظور وخيال وتأمل ..
عبر بالشعر إن أحسنت التغني ، عبر بالصوت إن ملكت صوتاً ندياً..
المهم أن تعبر بما تملك لتكون نفساً ناطقة لا نفساً عجماء .
فعن ماذا ستعبر ؟؟؟
عبر عن كيانك ، عن نفسك ، عن أحلامك ، عن أفق المنظور عندك ، عن كل ما يعنيك ويستهويك وتحبه وتفهمه.
دعوني أسأل من يعرف فيروز ؟؟
ومن هي فيروز ؟؟
ومن كانت ستكون لولا الصوت الندي الذي لم يتكرر له مثيل؟؟..
شاهدت مقابلة قديمة لفيروز ووجدت أنها لم تزل يعتريها خجل الطفولة وهي من جاوزت الستين ـ وقت المقابلة ـ متعثرة الحرف بسيطة المنظور ، غير قادرة على الإستمرار بتراكيب الجمل لتعبر عن نفسها ..
أبتسمت حقاً لما سمعت المقابلة فقلت بنفسي مخاطباً أياها : أين تسوقين هذه الطفلة الخجلى في خضم هالة تحف هذا الكيان العظيم ؟؟
أتأمل هذه الطفلة البسيطة الخجلى المنطوية ، ثم أنظر إلى هالة العظمة التي لم تزل وستظل تحيط بها ، فأعجب وأبتسم قسراً..
لأني به أدركت أن التعبير عن الذات شيء بمنتهى البساطة ، وأن يكون لك حيزاً في الوجود لا يعني أنك تمتلك الخوارق ، فليس شرطاً أن تمتلك خارقة ما لتصنع لك حيزاً في الوجود..
فقط حاول أن تعبر عن نفسك بما تملك ، وكن نفساً ناطقة لا نفساً عجماء ، كن نفساً فاعلة.
فيروز مثال على ذلك ، مثال على نفس بسيطة منتهى البساطة استطاعت أن تصنع لها كيان أغلب ظني أنه سيكتب له الخلود.
بشي بسيط وهو الصوت الندي الجميل .. لكنها لم تكن لتكون هذه الهالة العظيمة لو لم تكن الجدية منها في محاولة صنع الكيان ، فقد قالت بذات المقابلة أنها ( تتعب في عملها) ، بمعنى أنها تعد له الإعداد المضني الجاد.
إذاً فهي الطريقة والصبر على الطريقة في محاولة التعبير عن الذات هو ما يصنع كيان الذات ..
هل مثلنا عن فيروز واضحاً في ذاك ؟؟
أم أننا يجب أن نوضح المنظور والمفهوم عن العظمة قبل ذلك حتى نتفق على فيروز كمثل ، أم نجب الجدل ونستدني مثلاً آخر ؟؟
بلقاسم الشابي ( هم يسمونه بأبو القاسم وأنا لا أكنية بكنية نهينا عنها وإنما أسميه بأسم جده بلقاسم ) ماذا صنع حتى ينجح بإيجاد كيان ( بلقاسم الشابي ) في عشرين ربيعاً ونيف هي جملة ما عاشه الفتى على وجه الحياة.
كان يغني للحياة ، عن الشتاء والربيع والراعي وناي الراعي وإرادة الحياة والتعبد والحرية ، لم يغني لشيء غير الحياة ، ذلك أبرز إن لم يكن مجمل ما ورد في ديوانه : أغاني الحياة.
فكيف تتخيلون فتى في العشرين ، هل كان مؤهلاً أن يغني للحياة ؟؟
لكنه غنى بما يحس ويدرك ويفهم فأبدع وأجاد وصنع كياناً عظيم خالداً مميزاً عن سواه في الأفق والرؤية.
صنع ذلك بالشعر والشعر فقط ، فتخيلواحجم بساطة الوسيلة !!!
لكن مؤكد أنه تعامل مع وسيلته في التعبير تعاملاً جاد وأعد لها إعداداً مضنياً دل عليه كتابه عن الشعر : ( الخيال الشعري عند العرب ) .
مثل آخر في محور التعبير عن الذات وصناعة الكيان العظيم ، وياله من كيان هذا الذي سنتحدث عنه وهو :
سيد قطب
وما أدراك ما سيد قطب ؟ هل ستحيط لغتي بحديث عنه ؟؟
سيد شاعر وأديب ناثر وناقد أدبي لا أجاوز العدالة والإنصاف حين أقول أنه ـ بحدود علمي أنا ـ أعظم ناقد أدبي في تاريخ الأدب العربي وأعظم أديب.
ليس هذا شأننا ، إنما حديثنا عن كيف عبر عن نفسه تعبيراً صنع به لها كياناً عظيماً خالداً ؟؟
لن أتحدث عن ذات الكيان ، هل هو كيان مفكر ، أو داعية أو إمام ، أو أديب أو ناقد أدبي .. لكن كيفية صناعة الكيان نفسه.
في البداية كان يسعى لتحقيق حلم أمه بأن يمتلك صوتاً ندياً يترنم به بآي القرآن الكريم ، حتى أدرك أنه لا سبيل للوصول إلى المعدوم فصوته رحمه الله لم يكن ندياً أبداً.
ثم نتيجة للغالب في محيط نشأ هو فيه وكان أبرز أعلامه شوقي والعقاد والمنفلوطي وطه حسين والمازني والطنطاوي وغيرهم أمثالهم ، كان طبيعي جداً أن يتجه للأدب ..
فبات حلمه الجديد أن يكون ناقداً أدبياً ، وهكذا سعى ردحاً من الزمن .فكتب ( النقد الأدبي ، كتب وشخصيات ، والتصوير الفني ، ومشاهد القيامة ، وأربع كتب على منوال مشاهد القيامة أعلن عنها ولم تطبع ) ولسنا بصدد تقرير نتاجه بقدر ما يعنينا الإستدلال به على توجه حلم الفتى.
ثم أدرك ـ كما صرح ـ أن مستقبله ليس بالنقد الأدبي فبات يدعو للإسلام ويشرح الإسلام ويعبر عنه كما يفهه.
حتى أنقطع نتاجه الشعري تماماً عدا قصيدتين فقط بعد هذا الحلم الجديد ..
هل تعتقدون أنه في حلمه الأخير كان يهدف إلى صناعة كيان خالد ؟؟
أنا لا أعتقد ذلك ..
أعتقد أنه كان يعبر عن نفسه عن أفق يراه عن شي جديد جميل أدركه ووعاه وهو به جد سعيد فبات يحاول التعبير عنه بكل ما ملك من مواهب ومن طاقات ومن تضحيات .
كان يحاول أن يكون نفساً ناطقة لا عجماء ..
كان إذا أدرك بيّن للناس ما أدرك ، وإذا وعى شرح لمن يسمع ما وعاه.. بكل بساطه ، وبجدية أيضاً في التعامل مع حلمه ونطقه وبتسخير كم الثقافة العريض وكتلة المواهب الفذة لذلك التعبير البسيط عن الأفق المنظور في النفس والإنسان والحياة.
من هنا تأتي التسمية ( السهل الممتنع )
هو تعبير بسيط منتهى البساطة وليس ممتنعاً ، لكن الممتنع هو عمق الإيمان به وتسخير كافة الطاقات وكتلة المواهب لخدمة بروزه.
أن تكون نفساً ناطقة هو سهل ممتنع ، لكن السؤال هل هو ممتنع عليك أنت ؟؟
أنا أعتقد ، لا ليس ممتنعاً على أحد أن يكون نفساً ناطقة.
المثل الإنجليزي يقول : ( أي شيء صنعه رجل من قبل يستطيع أي رجل أن يصنعه )
وهذا حق في نظري ، فهل بعد هذا لنا عذر في أن نعجز ونتخاذل عن أن نكون نفوساً ناطقة ، تعبر عن كيان وتصنع كيان ولا تعيش عل الهامش بأمعية بليدة ؟؟
بل نستطيع أن نفعل بأي وسيلة ، بالكتابة بالصوت ، بالشعر بالأدب بالرسم ، بكل ما نملك من طاقات ومواهب نستطيع أن نعبر عن أنفسنا وأحلامنا وآفاقنا ورؤانا وحياتنا .
فكل فرد منا يستطيع أن يصنع لذاته الكيان ، لكن يا ترى ما الكيان الذي سيصنعه كل فرد منا ؟؟؟؟؟؟؟
كونوا نفوساً ناطقة وتأملوا بكيان تصنعون كما تتأمل الأم بفتى بدأ يخطو أولى خطواته ليسعى على وجه الحياة.
2/3/1431هـ
ياأخي اصلحك الله …تقارن فيروز بمحمد قطب؟؟؟؟
وليس كل مجتهد مصيب ..
أين المقارنة ؟؟
لا ، لا مقارنة
وكل الشك لك على الرور