افكار مبعثرة حول الإنفتاح المنضبط
أغسطس 30th, 2008 بواسطة عبدالله بن غنام
بسم الله الرحمن الرحيم … وبه نستعين
الأنفتاح المنضبط منهجية متبعة حالياً من قبل شريحة معينة وتكاد تكون تيار حركي له أعتباره في وسط الصحوة الحالية .
لكنه لم يُتخذ كمنهج مقنن بعد ، ولا يزال في طور المضغة التي لم تتخلق بعد ، فصورته هلامية لم تزل .
ذلك أن أبرز وأشهر مناصرية ومنظرية لم يتحدث عنه كمنهج حركي مقنن .
والحقيقة أنني ترددت كثيراً في التحدث عن هذا المنهج ، لأني لا أريد أن أستعجل بالحكم عليه ، حتى تتخلق صورته الكاملة ، لكن لا بد من إثارة هذا الموضوع والموازنة بين سلبياته وإيجابياته كمنهج ، أو خط الخطوط العريضة فيه وكشف المحاذير التي تحيط به .
بمعنى التعجيل بتصوير صورة هذا التيار الحركي .
وبما أني لم أزل في طور الدراسة لهذا المنهج ، وبما أنه لم يطرح بتقنين واضح لا بد أن يكون الحديث حوله أشبه بالأقكار المبعثرة .
تتلخص فكرته ـ كما أعتقد ـ في محيط الإجتهادات والقناعات المتفاوتة حولها بما يضمن عدم فرض قناعة شريحة على أخرى وقبول تلك الشريحة ذات القناعات المغايرة لتكون ضمن دائرة الحق ، فالكل على حق ما دامت إجتهادات .
وكذلك يسعى الإنفتاح المنضبط لكسر قيود العادات والتقاليد ، وإعتاق الناس منها لتتشكل القناعات الجديدة بديناميكية طبائع الأشياء ، وكأنه ينتهج بذلك منهجية الفوضى الخلاقة .
وهنا مكمن الغموض الأشد فيه ، وهو التوسع بالإعتماد على منهجية الفوضى الخلاقة ، وهو رهان صعب جداً ، وخاسر غالباً .
كذلك موقف الإنفتاح المنضبط من الخلاف المذهبي ، والقضية الأساسية في الخلاف وهي الحجاب ، موقفه أيضاً هلامي لم تتضح له صورة. ونظرته العامة للمرأة.
يسعى كذلك الإنفتاح المنضبط للتحرر من أسماء وشخصيات محددة وقوالب مقننة ، وهذه جيدة كما هو شأنه في التحرير من غل العادات الجامدة والتقاليد البائدة ، لكنها أيضاً فوضى خلاقة ، قد تخلق التيه والضياع ، وتزيد الصورة هلامية وبعداً عن وضوح المعالم .
فأقل ما في تلك الأسماء والشخصيات أو العادات والتقاليد ، أنها حفظت إطاراً معيناً وساعدت في بقائه ، نعم ربما كانت عائقاً في كثير من الأحيان دون الإبداع والتقدم إلى الأمام ، لكن ليس البديل عنها في الفوضى الخلاقة ، بل البديل في خلق منهجية واضحة المعالم .
ليس من السعي في البناء أن تهدم كل شي ، لتبني شيئاً جديداً ، لأن هذا الذي تحاول هدمه بُني وتشكل وأخذ شكله الذي ترى بحهود الملايين على مر السنين ، فلن تصنع أنت مثله ولا حتى لو عشت 300 سنة ، لكن الرأي الأهدى والأمثل أن تعالج ما أستطعت علاجه ، وتساهم في إضافة صرح جديد على الصرح العتيق ، وتكسب بهذا أثنتين :
الأولى : أختصرت علينا وعلى نفسك المدة والجهد والقلق والإضطراب .
الثانية : سلمت من الفوضى التي قد تخلق فيما تخلق شيئاً لم يكن في حسبانك ، ولا في منظورنا ، فنبتدع بها شيئاً جديداً لم يكن له وجود لولا مساهمتنا وجهودنا في بنائه ودعمه .
ربما القوضى الخلاقة ناجعة في حدود تحت السيطرة ، لكنها لا تصلح ـ عقلاً ـ كتعميم وعلى الأطلاق هكذا.
الفوضى الخلاقة أجل مشكلاتها بين النخبة الفتنة ، وبين العامة التيه وعدم البصيرة وغياب المعالم الواضحة والدالة ، وكِلا الأثنتين سوء يجب تجنبه فضلاً عن الدعوة إليه .
ومن قناعاتي الخاصة انا ، اقول : هم الدعوة لا يعني أنك مسؤل عن نجاحها أمام الله تعالى ، وصح في الحديث أن النبي يأتي ومعه الرجل والرجلين ، والنبي يأتي وليس معه أحد .
إذاً هنا شطط في تحمل ما لم يُحمّل أصلاً .
الفوضى الخلاقة مشروع لا يمكن نجاحه ـ أن كتب له النجاح ـ إلا ما دمت عليه قائماً ، وأنت تعلم أنه لن يستمر خطوة أو خطوتين في ظل غيابك ، وليس ضمن مريديك البديل ، لماذا إذاً تجعل لنفسك كل هذه الأهمية ، كأن لسان حالك يقول : إن لم ينجح بي وبنظرتي وفكرتي فلا نجح .
أين من هذا التجرد بالعبودية الخالصة لله تعالى ؟؟ وأين منه النصح للأمة ؟؟
الفوضى الخلاقة سبيل كما هو معروف يفتقر لأقل موجبات النزاهة ، والغاية هنا أجل غاية عرفتها الأنسانية ، فهل هو المبدأ اليهودي : الغاية تبرر الوسيلة ؟؟؟
هل هي ((( صناعة الإسفاف ))) لإنشاء فوضى يحق معها الحق ويندحر الباطل ؟؟
وكيف يحق الحق ، والحق لم يُعرّف أصلاً ولم يصنع كنموذج يُدعى إليه ؟؟
أفكار كثيرة حول الفوضى الخلاقة أو الأنفتاح المنضبط ، أطرحها بين أيديكم ، وسأعود لأثرائها على ضوء مشاركاتكم ، فقط أعذروني على عدم الترتيب فلم تزل أفكاري مبعثرة حول الإنفتاح المنضبط.
وليس الإنفتاح المنضبط ما يتعلق بالشكليات ، فالوسائل التي يستخدمها الناس في معاشهم أو النمط العمراني في البناء شرقياً أو غربياً ليس من الفوضى الخلاقة ، ولبس الثوب أو البدلة ليس من الفوضى الخلاقة .
هنا أتحدث أنا عن صورة هلامية غير واضحة المعالم فيما يختص بفكر يتحدد على ضوئه السلوك ، فالعمل يبنى وفق المعتقد ، والفوضى الخلاقة تعتمد إبهام العقيدة فيما هو دون الثوابت ، وفتح مجال لأكثر من خيار ، وتقبله وتصنفه حقاً ، وتقول الكلمة الأولى ولا تقول الأخيرة ليبقى الإبهام سيّد الموقف ، ولتعمل الفوضى الخلاقة عملها فينتج عنها التمحيص كما يعتقدون ـ والله أعلم ـ وأؤكد أخرى أني لم تزل أفكاري مبعثرة بخصوص الإنفتاح المنضبط ولم تتضح لي الصورة ولا أعتقد أنها واضحة لك بدليل أنك تذكر أنك من مناصريه وشرحك وتعقيبك لا يمسه بحال . ولا اعتقد أنك وحدك من لم يفهم صورة واضحة المعالم لهذه الفوضى الخلاقة ،، ولا أعتقد أن هناك من يستطيع أن يحدد لها صورة منضبطة الحدود وواضحة الخطوط.
والله تعالى أعلم .
مع بالغ إعتذاري لأكثر من شخص أجل وأحترم ، وقبلة على كل جبين طاهر منهم.
هنا تعقيب بسيط على الموضوع :
بالنسبة لنوع الإنفتاح ذكرت أنا في بداية حديثي : (( الأنفتاح المنضبط منهجية متبعة حالياً من قبل شريحة معينة وتكاد تكون تيار حركي له أعتباره في وسط الصحوة الحالية ، تتلخص فكرته ـ كما أعتقد ـ في محيط الإجتهادات والقناعات المتفاوتة حولها ، وكذلك يسعى الإنفتاح المنضبط لكسر قيود العادات والتقاليد ، كذلك موقف الإنفتاح المنضبط من الخلاف المذهبي هلامي لم تتضح له صورة. ونظرته العامة للمرأة كذلك ، يسعى كذلك الإنفتاح المنضبط للتحرر من أسماء وشخصيات محددة وقوالب مقننة )) ثم أردفت وقلت : (( تحدثت أنا عن صورة هلامية غير واضحة المعالم فيما يختص بفكر يتحدد على ضوئه السلوك ، فالعمل يبنى وفق المعتقد ، والفوضى الخلاقة تعتمد إبهام العقيدة فيما هو دون الثوابت ، وفتح مجال لأكثر من خيار ، وتقبله وتصنفه حقاً ، وتقول الكلمة الأولى ولا تقول الأخيرة ليبقى الإبهام سيّد الموقف ، ولتعمل الفوضى الخلاقة عملها فينتج عنها التمحيص كما يعتقدون )) وقلت أيضاً عن صورة هذا الإنفتاح المنضبط : (( ولا أعتقد أن هناك من يستطيع أن يحدد لها صورة منضبطة الحدود وواضحة الخطوط.)) ثم أكدت مراراً على ان هذا القول ليس قولاً فصلاً إنما هو محاولة للقراءة والفهم وقلت : (( كما هو العنوان ، لم تزل أفكاري مبعثرة وسالتكم على هذا المعذرة .))
هذا أعلاه تلخيص مجمل لما سبق ، مما كتبت أنا حول فكرتي هنا أعيده ضبطاً لمنطلق الحوار وتأكيداً بأن الموضوع مدارسة في المقام الأول ، ومحاولة للفهم ، وعلى الذين ينادون بما يسمى الإنفتاح المنضبط تقويم مسار الحديث عنه هنا .
إذاً نوع الإنفتاح هو في المذهب والمنحى الذي يعتمد على القناعات والفكر ، إنفتاح في القناعات والسلوكيات ، بما يترتب عليه ثورة عامة على كل إيقاع رتيب ، في خط القناعات وتحديد وتقويم السلوكيات ، وفي ذات الوقت الذي تشن فيه تلك الثورة ، لا توجد تلك الثورة منهجية مقننة للترقي من مستوى في السلوك إلى مستوى أعلى ، ومن أفق في القناعات إلى أفق أرحب ، إنها فقط تثور على الرتابة ، ولا توجد البديل ، فهي تزعم ان البديل سيتخلق ويتشكل بما يتوافق مع إمكانات هذا الناس في الترقي والتقبل وسعة الأفق .
وهنا خطأ صارخ ـ كما أعتقد ـ فالناس لا تعلم إلى أين يؤدي هذا النفق المظلم الذي تقودهم من خلاله ولن يهتدوا فيه مالم يكن ثمة نور ـ وضوح في الرؤية ـ يعرف معه موضع الخطى ، فيتجنب ما يدمي اللأقدام ، أو يلويها أو يكسرها ، فتحصل العثرة ، والتخلف عن الركب ، وربما العزم على الردة إلى نقطة البداية .
هو رهان صعب ولا شك ، ومحاذيره كثيرة ، وخسائره فادحة لا تعوض بثمن .
فهلا قومناه ، هلا قلنا له رفقاً فليس عدوك كل ماهو رتيب .
رفقاً فإثارة الفوضى لا تعني خلق النظام .
وهذه الحركة لا تسعى إلى تغيير القناعات فقط ، بل التشكيك في القناعات ـ التي دون الثوابت ـ وعرض أكثر من قناعة كلها قابلة للأخذ بها ، مما يثير الفوضى ويوجد التيه .
بل حتى القناعات التي يترتب عليها خط سير رتيب ، فهذا المنحى ( الإنفتاح المنضبط ) يترك ما هو دون الثوابت من الدين ، في صورة هلامية لا تستشف لها معلماً أبداً ، وتجد هذا المنحى يعتمد أكثر من شكل للصورة الهلامية تلك ويقبل به ، حتى يشكل بزعمه صورة متكاملة من ذلك المزيج تتحدد على أساس قابلية الناس وقناعاتهم وإمكانتهم بالأخذ والإتباع والتطبيق .
فوضى خلاقة بمعنى آخر .
والله أعلم.
كتبه : عبدالله بن غنام.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كل عام وأنت والعائلة الكريمة بخير أخي المكرم عبد الله بن غنام
أختك
زاهية بنت البحر
وعليكم السلام ورحة الله وبركاته
وكل عام وأنت ومن تحبين بألف خير ، ورمضان مبارك.
ينبغي أن أقرر هنا أني في هذا الموضوع وإن كنت أرى أنه لمس الحق في جانب أو أكثر ، إلا أن نظرتي له قد أحاط وشملت أكثر من ذي قبل ، وربما يوماً ما أكتب حول ذاك التيار ، ولست أملك اليوم أن أكتب عنه لأني أصبحت ممن يتصدر لمعترك الأيام حاملاً راية ذلك التيار وفلسفته.
والحمد لله من قبل ومن بعد